اسماعيل بن محمد القونوي

19

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أوصافهم المذكورة والمدح بملازمة المدينة لما ذكرناه من الإيمان بالغيب كما أشير إليه بقوله من قبلهم . قوله : ( فإنهم لزموا المدينة والإيمان وتمكنوا فيهما ) نبه به على أن التبوء مجاز عن اللزوم للزومه إذ التبوء النزول في المكان وهو مستلزم لملازمته فيه واللزوم منتظم للإيمان فلا تمحل في الإيمان لكن قوله وتمكنوا فيهم فيه إما مجاز في كلمة في فيكون جمعا بين الحقيقة أو يصار إلى عموم المجاز أو استعارة في الإيمان على تنزيله منزلة المكان الذي يتمكن فيه على أنه استعارة مكنية وإثبات التبوء له قرينتها واستعارة تخييلية . قوله : ( وقيل المعنى تبوؤوا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام ) مرضه لاحتياجه إلى تقدير كثير مع عدم الداعي إليه وأيضا تبوئهم الدار قبل كونها دار هجرة وإضافة الدار إلى الإيمان مجاز لأدنى ملابسة وكذا دار الهجرة مجاز أيضا وكذا يلزم عطف الصفات مع اتحاد الذات . قوله : ( أو تبوؤوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله : علفتها تبنا وماءا باردا ) وهو « 1 » الوجه المقدم في الكشاف كقوله علفتها الخ أي سقيتها ماء باردا أي عطف الإيمان على الدار لكن يقدر عاملا يناسبه لظهور القرينة على عدم صحة تقدير العامل المذكور ففي الحقيقة المعطوف العامل المقدر على العامل المذكور ونظائره كثيرة وهذا أحسن الوجوه الذي هنا وفي أمثاله ولذا قدمه الزمخشري ولا يعرف وجه تأخير المصنف . قوله : وقيل المعنى تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان لما أشكل أمر عطف الإيمان على الدار إذ لا يصح من حيث الظاهر أن يقال تبوأوا الإيمان لأن متعلق التبوء يكون من قبيل الأماكن والأعيان لا من قبيل المعاني والاعراض صرف الكلام عن ظاهره ووجهه بثلاثة أوجه وحاصل الوجوه يعود إلى أن عطف الإيمان إلا على الدار إما من باب التقدير وهو الوجه الأول أو من باب التقدير أو الانسحاب وهو الوجه الثاني أو من باب الاستعارة المصرحة وهو الوجه الثالث فالإيمان في الوجه الأول حقيقة في معناه والمجاز في تعلق التبوء به على منوال قوله سبحانه : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] والمعنى أهل القرية وكذا في الوجه الثاني لفظ الإيمان حقيقة ويقدر في التعلق ما يناسبه كأخلصوا وأما في الوجه الثالث فمجاز مستعار استعارة مصرحة وذكر الزمخشري رحمه اللّه هنا وجها آخر غير الوجوه المذكورة وهو أن يكون المعنى وجعلوا الإيمان مستقرا ومستوطنا لهم لتمكنهم فيه واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك هذا أقول هذا الوجه من باب التضمين والاستعارة المكنية حيث شبه الإيمان بموطن الاستقرار وجه الشبه التمكن فيه والاستقرار عليه ثم أثبت له ما هو لازم المشبه به وهو التبوء تخييلا المبالغة والمدح في هذا الوجه راجعان إلى الإيمان لا إلى مكان المدنية وفي الوجه الثالث على العكس .

--> ( 1 ) وهو خلاف الظاهر .